العدد 10030 السبت 17 شوال 1423 هـ / 21 - 12 - 2002 م

جريدة الاتحاد

 القصة الخفية لأسلحة الدمار الشامل

لدماغ أكثر أسلحة الدمار الشامل فتكاً وهدف الحرب على المنطقة السيطرة على الدماغ العربي أو الاستحواذ عليه وتدميره إن أمكن هذه هي القصة الخفية لأسلحة الدمار الشامل، ويتساوى فيها بالأهمية دماغ العلماء العرب في الذرة والطبيعة والتكنولوجيا أو في الاجتماع والاقتصاد والفلسفة والدين أحدث شهادة في هذا الصدد قدمها أخيراً عالم الذرة العراقي الدكتور عماد خدوري، الذي عمل في البرنامج النووي العراقي منذ بداياته عام 1968 وحتى مغادرته للعراق، هو وعائلته في عام 1998 خدوري حاصل على شهادة دكتوراه في تكنولوجيا المفاعلات الذرية من جامعة برمنغهام في بريطانيا ويعمل حالياً في تدريس هذه التكنولوجيا في تورونتو بكندا، وشهادته منشورة بالإنكليزية منذ شهر تقريباً في موقع إنترنت عام في كندا.

http//www.YellowTimes.org مع ذلك لم يرد إلى حد الآن ذكر لهذه الشهادة العلمية في أجهزة الإعلام العالمية أو العربية، التي تضخ يومياً عشرات التقارير المخصصة لأسلحة الدمار الشامل العراقية ولم يُستدع خدوري للإدلاء بشهادته، على رغم ما يقال من أن موضوع التحقيق مع العراقيين العاملين في برامج التسلح يحتل الصدارة في اهتمام الزعماء العالميين، ويتلهف الجميع إلى سماع عالم عراقي سيهمس في أذن بليكس بالحقيقة، حسب عنوان مقالة للكاتب الأميركي توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز


لماذا؟ لماذا لم تسارع محطات التلفزيون والصحافة العالمية إلى عقد لقاءات مع عالم الذرة الذي كان مسؤولاً حسب اعترافه عن توثيق وإخفاء تقارير البرنامج النووي العراقي عشية حرب الخليج الثانية؟ وما سبب تجاهل شهادة تتضمن معلومات دقيقة عن مصانع الطارمية وشرقاط، حيث أعاد العراقيون ابتكار طريقة فريق مانهاتن المشهور الذي صنع أول القنابل النووية التي أسقطها الأميركيون على اليابان في الحرب العالمية الثانية؟ وكيف يمكن تبرير تجاهل معلومات تنشر لأول مرة عن تضليل العراقيين لحملات القصف الجوي الموجهة لتدمير مراكز البحث والتطوير، وعن نجاحهم في الحفاظ على منشأة الأثير حيث تم تصميم وتجميع القنابل النووية؟ وكيف تم شحن الوثائق الخاصة بها في عربة قطار مغلقة باللحام استمرت تصعد وتنزل الأراضي العراقية مع حركة قطارات نقل المسافرين حتى عثر عليها فريق التفتيش الدولي نتيجة خطأ في الأوامر أعادها إلى موقعها الأصلي؟ وفي شهادة العالم العراقي معلومات مفجعة عن ضنك عيش زملائه ومحاصرتهم من قبل فرق التفتيش، وانهيار أوضاعهم إثر التضخم الاقتصادي الذي هبط بمرتباتهم العالية إلى ما يعادل 3 دولارات شهرياً، وتدهورهم الأكاديمي بسبب حرمانهم من متابعة التطورات الجديدة في علومهم، والحملات النفسية المكثفة ضدهم لحملهم على الانتحار؟
وقد يشكل أثمن صفحات التاريخ الحديث للمجتمعات العلمية العربية انخراط آلاف العلماء والمهندسين والتقنيين العراقيين بعد توقف العمليات الحربية مباشرة في حملة إعادة إعمار الهياكل الارتكازية لصناعة النفط وشبكات الكهرباء والماء والاتصالات التي دمرها القصف الجوي الكثيف وتتضمن شهادة العالم العراقي سخرية لاذعة من أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية وفضح عجزها رغم المبالغ الطائلة التي تنفق عليها عن التوصل إلى أوليات التمويه العراقي قليل الحيلة ويختتم عماد خدوري شهادته بقصة إسكندنافية شعبية مشهورة عن إمبراطور يظهر عريان أمام رعاياه الذين لا يجرؤون على النظر إليه واكتشاف عريه حتى يصرخ طفل من بينهم: الإمبراطور عار من الملابس!! ويعلق خدوري: بوش وبلير يسحبان جمهورهما من أنوفهم ويغطيان بضجيج وطني فارغ الأداء الأخرق لأجهزة استخباراتهما مع ذلك فلا شيء يستر عري الإمبراطورين الاستعراضيين.


السؤال المطروح هو: لماذا ترهق الدولة العظمى الوحيدة مواطنيها مادياً وأخلاقياً ونفسياً لشن حرب تهدف إلى تدمير بلد أعزل يكافح من أجل تأمين لقمة العيش والدواء لمواطنيه؟ حرب يعارضها معظم سكان العالم، الجواب عن هذا السؤال يكمن، حسب الكاتب البريطاني مارتن والكوت في يأس السياسيين الغربيين يأس سري كالعمليات السرية التي تنجم عنه مصدره شروط التجارة وتوازن القوى الاقتصادية اللذان يعملان ضد الغرب طيلة ربع القرن الأخير ويمكن قراءة درجة الاستماتة الحالية لشن حرب على العراق في تدهور نسبة الناتج المحلي الأميركي بالمقارنة مع الناتج العالمي من 50 في المئة قبل 20 سنة إلى 35 في المئة، وارتفعت خلال الفترة نفسها احتياجات الولايات المتحدة من النفط المستورد من 34 في المئة إلى 53 في المئةبدون نفط فلا وجود لاقتصاد عالمي، والنفط العربي سلاح شامل للسيطرة على الاقتصاد العالمي هذا هو الجواب والباقي صمت، كما يقول الشاعر الإنجليزي وليام شكسبير ملايين الكلمات التي تضخها يومياً محطات التلفزيون والصحافة العالمية والعربية حول الموضوع لا تُعكر هذا الصمت


محمد عارف


مستشار المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا