التضليل الإعلامي و تداعياته

عماد خدوري

تعقيب على محاضرة "أسلحة الدمار الشامل : الإتهامات والحقائق"

لجعفر ضياء جعفر و نعمان سعد الدين النعيمي

 والتي أُلقيت في ندوة "إحتلال العراق وتداعياته عربياً وإقليمياً ودولياً"

والمقامة من قبل مركز دراسات الوحدة العربية

خلال الفترة 8-11 آذار 2004 في بيروت لبنان.

 

إرتكزت الحملة العسكرية لإحتلال العراق في آذار/مارس 2003 بشكل أساسي إلى حملةٍ تعبويةٍ إعلاميةٍ مُضلِّلةٍ بدعوى إمتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وإستمراره في تطوير تلك البرامج بعد حرب العام 1991. ولقد برهن الباحثان في ورقتهما القيمة كذب مبرِّرات حملة الخداع الشامل التي ساقتها الإدارة الأمريكية في تسويق حربها على العراق وإحتلاله ، الأمر الذي يقودنا الى طرح مسألة المسؤولية القانونية عن الخسائر المترتِّبة عن شنّ الحرب اللاقانونية على العراق وبشكل خاص مسؤولية شهود الزور.

 

لقد بدأت حملة الإفتراءات تلك منذ أوائل التسعينات ، و تم دق طبولها بشدةٍ وتقديمها بدءاً من نهاية آب/أغسطس 2002 ولحتى لحظة الإحتلال ، كسببٍ مُباشرٍ له. وستبيّن الأيام أبعاد أذى الدمار الشامل الذي ألمّ بالعراق وشعبه ومؤسساته. ويتصدر قائمة المساهمين في هذه الحملة الإعلامية المُضلِّلة ، بالأضافة الى الدوائر المخابراتية الأمريكية والإنكليزية والإسرائيلية ، أسماء عراقية و شخصيات صحفية أمريكية سخرّت جُلّ جهدها، وصوّبته بإتجاه تزييف الحقيقة وتشويهها.

 

أحمد الجلبي

رئيس المؤتمر الوطني العراقي والذي غذّى حملة إحتلال العراق منذ منتصف التسعينات بشهاداتٍ ملفّقةٍ من قِبل مصادر عراقية عسكرية التجأت الى منظمته التي إدّعت المعرفة بإمتلاك العراق أسلحة كيميائية وبيولوجية . و بسبب علاقاته الوطيدة مع أبرز المُحافظين الجُدد الذين قادوا الحملة الإعلامية لإحتلال العراق مثل ولفوفيتز وتشيني و بيرل ، تم تسريب هذه الإفتراءات إعلامياً ولفترةٍ تناهز العشر سنوات، ولا سيما عِبر جوديث ميلر الصحفية في جريدة النيويورك تايمز التي ذهبت بنفسها الى العراق لمدّ يد العون والإرشاد لقوات الإحتلال في حمّى البحث على أي دليل ماديٍ لمقالاتها العديدة ، دون جدوى. [1]

 

 وعلى الرغم من الدعم المادي للمؤتمر الوطني من قبل وكالة المخابرات الأمريكية والذي وصل إلى حدود مئة مليون دولار، فإن رئيس المؤتمر لم يجد حرجاً من الإعتراف مؤخراً بأنه لا يكترث بحقيقة عدم صحّة التلفيقات بشأن الأسلحة المزعومة، والتي روّجها سابقاً، ما دام إحتلال الأمريكان قد تمّ وأصبح "بطلاً بالخطأ" ، بل أبدى بشهامة بالغة إستعداده لتحمل تبعات ذلك، وربما يعني حصّته من عقود الباطن بموجب تبوئه مكانةً في مجلس الحكم [2].

 

خضر حمزة

عمل في الطاقة الذرية العراقية منذ عام 1972 وحتى غاية العام 1989 [3]. بعد وتوسّط بعد هروبه الى شمال العراق عام 1994 أحمد الجلبي لإيوائه تحت مظلة وكالة المخابرات الأمريكية التي رفضت طلبه، مما دفعه إلى التدريس في ليبيا. ولقد حالفه هروب حسين كامل الى الأردن في إعادة اهتمام الوكالة إهتمامها بأمره وجلبه الى الولايات المتحدة الأمريكية حيث عمل مع ديفيد ألبرايت في مؤسسة

Institute for Security and International Security

و صدر عن ذلك باكورة التقارير في الإدعاء والتنويه الباطل بإستمرار العراق في تطوير برنامجه العسكري النووي. ولقد عزله ألبريت من العمل في مؤسسته بعد أن عمل فيها مدة سنتين، بسبب الشكوك التي ساورته حول مدى دقة معلومات حمزة. (ولكن أبقى ألبرايت على نشر سيرة خضر حمزة على صفحة إنترنت مؤسسته أعلاه ليدل "من يهمه الأمر" حول تبجيل حمزة لتأريخه الزائف الذي قدمّه عن نفسه، على حد تعبير ديفيد في مكالمة خاصة [4] ).

 

بعدها قام حمزة وبالتعاون مع جيف ستاين وهو مسؤول سابق في المخابرات العسكرية الأمريكية، بإصدار كتابه "صانع قنبلة صدام" في نهاية العام 1999، والذي ضخّم فيه بشكلٍ سافرٍ من دوره في البرنامج النووي العراقي، و أحجم عن ذكر السبب الحقيقي في إبعاده من البرنامج ومن ثم تقاعده في العام 1989 . 

 

بدأ نجمه كمحاضرٍ في البروز على منصّات المؤسَّسات الأمريكية اليمينية، وعلى سبيل المثال ، محاضرته في مؤسَّسة Carnegie Endowment Institute في نهاية العام 2000 [5] حيث إدّعى في حينها باطلاً بأنه كان مساهماً، بعد حرب العام 1991 و حتى هروبه عام 1994 (علماً بأنه كان محاضراً في كليةٍ أهليةٍ في بغداد طيلة تلك الفترة)، في تطوير منظومة التخصيب الغازي، بعيداً عن أنظار مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما حذّر من أن العراق مستمرٌ في العمل في هذا المجال، ومن الممكن ان يحصل خلال سنتين أو ثلاثة على ما يكفي لصنع نواة القنبلة . وعندما سُئل عن مقترحه لوقف البرنامج النووي العراقي، ركّز حلّه على قيام الإدارة الأمريكية بقلْع العلماء والمهندسين العراقيين من العراق إذ أنهم في صدد إعادة بناء المنشئأت النووية وتشغيل منظوماتها. وختم محاضرته بإمكانية تمكّن حصول العراق حينئذ (أي في العام 2000) على السلاح البيولوجي أيضاً.

 

ثم صاعد حمزة من تهويلاته في مقابلات عديدة [6] باسطاً و مُضخّماً الأطروحات الأمريكية حول علاقة العراق مع القاعدة وبن لادن، وإمكانية توفير العراق للمواد الجرثومية التي نُشِرت في أمريكا عقب أيلول/سبتمبر عام 2001 ، كما ردّد مُجمل إفتراءاته تلك أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي عام 2002 ، والذي كان في صدد إتخاذ قرارٍ بتخويل الرئيس بوش بإحتلال العراق.

 

وحتى آخر الأيام التي سبقت إحتلال العراق ، وفي أحدى المقابلات التلفزيونية ، ألح المُراسل على أن يجيب حمزة عن سؤالٍ محدّدٍ : "منذ عدة سنواتٍ وأنت تدّعي بأن العراق على وشك إمتلاك السلاح النووي خلال بضعة سنوات . هل يمتلك العراق السلاح النووي الآن أم لا ؟ " أضطر حمزة إلى الجواب بالنفي ، ولكنه سارع وإستدرك وتوعّد : "هل انت مُستعدٌ أن تنتظر سنتين للتأكد من أن العراق لن يمتلك السلاح حينئذ؟" بمعنى انه بمقدور العراق إمتلاك السلاح النووي خلال سنتين فقط ؟!

 

إلا أنه ، وبعد أن رجع الى العراق على ظهر الدبابات الأمريكية، و مكث هناك طيلة الأشهر العشرة المنصرمة ، يرفض حتى الآن الإجابة على تساؤلات الصحافيين حول مزاعمه الباطلة، والتي عكف على بثها طيلة العشرة أعوام المنصرمة [7] . على عكس الشفافية المالية لمكتسبات أحمد الجلبي من حملة الإعلام التضليلية ، يُغفل حمزة عن ذكر الراتب المُغري جداً والذي يتقاضاه الآن في بغداد من "مجلس إعادة أعمار وتنمية العراق" [8]

Iraqi Reconstruction and Redevelopment Council

التابع إلى المؤسسة التي عمل فيها ديفيد كاي لعقدين من الزمن

Science Applications International Corporation (SAIC)  .

 

أنهم بحقٍ مرتزقة القرن الحادي والعشرين ولن يتأخر حسابهم.



[1] http://www.commondreams.org/views03/0703-02.htm

Still Miller Time: 'NY Times' Circles the Wagons
by William E. Jackson, Jr.,
July 2, 2003

http://www.counterpunch.org/cockburn08182003.html

Judy Miller's War

By Alexander Cockburn, August 18, 2003

 

[2] http://www.guardian.co.uk/Iraq/Story/0,2763,1163563,00.html

Need to build a case for war? Step forward Mr Chalabi

Isabel Hilton
The Guardian , Saturday March 6, 2004

[3] http://www.yellowtimes.org/article.php?sid=889

Saddam's bombmaker is full of lies
Imad Khadduri, November 27, 2002

http://www.yellowtimes.org/article.php?sid=1623

Khidhir Hamza: The bogus intelligence source

Imad Khadduri, October 15, 2003

 

[5]  http://www.ceip.org/files/projects/npp/resources/hamzatranscript.htm

    Presentation by Khidir Hamza, Carnegie Endowment, 2 November 2000

 

[7]  http://www.guardian.co.uk/worldlatest/story/0,1280,-3481758,00.html

    U.S. Still Holds 8 Iraqi Scientists

    By Dafna Linzer, The Guardian, December 9, 2003

[8]  http://www.williambowles.info/ini/ini-0105.html

    David Kay, (Khidir Hamza) and the CIA

    William Bowles, 06/10/2003